الخميس، يونيو 30، 2011

فى الداخلية أيد خفية - فهمي هويدي -

فى الداخلية أيد خفية

إذا كان الانفلات الأمنى فى مصر قد تم بفعل فاعل، كما قال رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف، فهل استمرار ذلك الانفلات، وإن بدرجة أقل، تم بفعل فاعل أيضا، أم أنها مجرد مصادفة؟ وإذا كان الذى فعلها فى البداية قد أبعد عن موقعه، شخصا كان أو فريقا، فهل نحن على ثقة من أن أعوانهم وأذرعهم قد توقفوا بدورهم عن الفعل؟ ولماذا لم نعد نسمع صوت عناصر ائتلاف ضباط الشرطة الذين تضامنوا مع الثورة وطالبوا بإصلاح المنظومة الأمنية فى مصر؟ وما هى القوى التى أسكتت أصواتهم؟ ولمصلحة من تم ذلك؟



لدى عدة أسئلة من ذلك القبيل، تنطلق كلها من الشعور بعدم الاطمئنان إلى براءة بعض الأوضاع فى جهاز الشرطة، وترجح كفة الشك فى أن هناك من يحرص على استمرار درجة من الانفلات الأمنى وإشاعة الشعور بعدم الاستقرار فى مصر. ولست متأكدا مما إذا كان الدافع إلى ذلك هو تعاطف البعض مع رموز النظام القديم وسياساته التى جعلت الشعب فى قبضة أو خدمة الشرطة، أم أن هناك من يرى أن الذين قاموا بالثورة مجموعات من الشبان «الصغار» الذين يتعين «تأديبهم» وإقناعهم بأن الشرطة فوق الجميع، وأسياد الناس كما قال أحدهم، وبدونها فإن البلد يظل فى خطر، وإن كل ما فعله أولئك الشبان لا قيمة له، أيا كان الأمر فالشاهد أنه فى الوضع الراهن ثمة رسالة غير بريئة يراد توصيلها إلى كل من يهمه الأمر، وصادرة عن «موقع ما» فى جهاز الشرطة. لست أرى أشخاصا بذواتهم وراء ذلك الخطاب، لكنى أرى قرائن لا تخطئها عين تشير إلى وجودهم. وسأضرب المثل باثنتين فقط من تلك القرائن هما:


1ــ هناك 99 قسم شرطة تم إحراقها أثناء الثورة، ولم يتم ترميم أى منها طوال الأشهر الخمسة الماضية. وكانت نتيجة ذلك أنه تم اللجوء إلى أماكن بديلة لكى يؤدى منها رجال الشرطة مهامهم. وأغلب تلك الأماكن إن لم يكن كلها غير مؤهلة لذلك، وحين يكون الأمر كذلك، فإن قسم الشرطة يصبح عاجزا عن أن يؤدى وظيفته، كما أن المكان ذاته يتعذر تأمينه وحمايته.


هناك أكثر من علامة استفهام حول أسباب التقاعس عن ترميم وتشغيل ذلك الكم من أقسام الشرطة طوال الأشهر الماضية، والتسويف فى عملية الإصلاح بإحالة الأمر إلى مديريات الأمن التى لا تمتلك أى خبرة فى ذلك المجال، علما بأن فى الوزارة إدارة للمشروعات مسئولة عن هذه العملية. وليس معقولا ولا مفهوما أن يقف مسئولو تلك الإدارة متفرجين على مشهد الأقسام المحترقة، دون أن يحركوا ساكنا.


الأمر الجدير بالملاحظة فى هذا الصدد أن الإمكانات المتوافرة لدى الدولة تسمح بإنجاز هذه العملية بمنتهى السرعة، وإعادة بناء أو ترميم الكنائس التى عرضت للاعتداء تشهد بذلك، لكن هذه السرعة توقفت تماما عندما تعلق الأمر بأقسام الشرطة، الأمر الذى يثير السؤال: لماذا؟


2 ــ فى الوقت الذى تكتظ فيه السجون بالنزلاء، الأمر الذى يفتح الباب لعمليات الشغب ومحاولات الهروب التى أصبحت تتكرر بين يوم وآخر، فإن هناك تراخيا مثيرا للدهشة فى تسلم سجن وادى النطرون الذى يسع ثلاثة آلاف سجين، وتم بناؤه بتكلفة وصلت 112 مليون جنيه. معلوماتى أن ذلك السجن الجديد تم الانتهاء من بنائه وأصبح جاهزًا للتسلم فى أول شهر أبريل الماضى، وأن تشغيله يتطلب بعض تجهيزات بسيطة لا تتجاوز تكلفتها 50 ألف جنيه، ولكن هناك تراخيا غير مفهوم فى عملية التجهيز، كان من نتيجته أنه لايزال السجن بإمكاناته الكبيرة مغلقا منذ ثلاثة أشهر، فى حين تعانى السجون الأخرى من التكدس وعدم الأمان. وذلك التراخى الحاصل فى تشغيل سجن وادى النطرون حاصل أيضا فى التعامل مع التوسعات التى أدخلت على سجنى جمصة والمنيا.


أدرى أن وزير الداخلية الحالى اللواء منصور العيسوى يبذل جهدا مخلصا لتطهير أجهزة الوزارة من العناصر التى كانت ركيزة السياسة الأمنية الباطشة للنظام السابق. أو تلك التى استثمرت أجواء إطلاق يد الشرطة واعتبارها فوق القانون وفوق أى حساب للضلوع فى صور مختلفة من الفساد المالى بوجه أخص. لكن استمرار ذلك الوضع طوال السنوات الثلاثين السابقة أدى إلى توحش الرتب العليا وتوسيع دائرة الفساد فى الجهاز، الأمر الذى بات يستدعى المزيد من الحزم فى التعامل مع العناصر التى تم تفريخها فى تلك الفترة، بما قد يتطلب إعادة هيكلة أجهزة الوزارة و«تنظيفها» من الفلول والأعوان وأعوان الأعوان. ذلك أنه إذا كانت أشياء كثيرة تحتمل الانتظار فى عملية بناء النظام الجديد، فإن إعادة النظر فى الجهاز الأمنى ليس من بينها بكل تأكيد. بل لنا أن نقول إنه لكى تنصلح أوضاع كثيرة فى البلد اقتصادية واجتماعية، فلا بديل عن التمسك بشعار «الأمن أولا»
- جريدة الشروق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق